ابن رشد
14
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
الحاضر وارتفع ب " سياسة " الماضي إلى مستوى " العقيدة " . وقد صادف ذلك ترجمة فلسفة اليونان وعلومهم فتزامن نضج " مقالات المتكلمين " مع بداية انتشار " أقاويل الفلاسفة " ، فقام جيل من المثقفين " الجدد " هو جيل المتكلمين المتفلسفين ، ليحل محل الجيل القديم جيل أصحاب الرأي و " المقالات " . لقد ظهر الجيل الأول نتيجة انفصال " القبيلة " عن " العقيدة " ، مع الأمويين ، وظهر الجيل الثاني نتيجة اصطدام " العقيدة " الإسلامية مع العقائد الأخرى مثل المانوية وغيرها من " الملل والنحل " المخالفة للإسلام ، ثم ظهر الجيل الثالث مع انتشار المنطق والفلسفة اليونانيين وقيام بعض كبار المتكلمين بالتماس الحل لمشاكل علم الكلام وأزماته الداخلية في المنطق والفلسفة ، مما كانت نتيجته تدشين مرحلة أخرى في تاريخ " الكلام " في الإسلام ، سماها ابن خلدون : " طريقة المتأخرين " . 2 - المعتزلة . . . " أرباب الكلام " والحق أن " الكلام " في شؤون العقيدة ، في الإسلام ، إنما صار " علما " ، أو " فنا " ، باصطلاح القدماء ( أي مجموعة منظمة من المعارف حول موضوعات محددة هي هنا : ذات الله وصفاته وأفعاله ) مع المعتزلة . فهم ، بشهادة واحد من أكبر خصومهم : " أرباب الكلام وأصحاب الجدل والتمييز والنظر والاستنباط والحجج على من خالفهم وأنواع الكلام ، والمفرقون بين علم السمع وعلم العقل ، والمنصفون في مناظرة الخصوم " . « 4 » هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فأبو الحسن الأشعري الذي ينسب إليه المذهب كان معتزليا ثم انفصل عن أستاذه وأعلن انضمامه إلى أهل السنة . وانفصال التلميذ عن الأستاذ ، أو المريد عن الشيخ ، لا يعني القطيعة التامة معه وإنما يعني في الغالب شق طريق فرعية تبقى مشدودة إلى الأصل بشكل أو بآخر . وهذا ما حدث فعلا ، فالمذهب الأشعري ، كما تطور بعد مؤسسه ، بقي مشدودا إلى طريقة المعتزلة ، يتبنى كثيرا من مقدماتهم العقلية وإشكالياتهم اللاهوتية . ذلك ما كان قد حدث أيضا لمذهب المعتزلة نفسه . إن حادثة ميلاده الرسمي كانت حادثة انفصال تلميذ عن أستاذه : اعتزال واصل بن عطاء مجلس شيخه الحسن البصري في حادثة ترويها كتب الفرق بصيغ مختلفة أشهرها ما رواه
--> ( 4 ) أبو الحسين الملطي . التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع . مكتبة المثنى ببغداد ، ومكتبة المعارف . بيروت 1968 . ص 35 .